يطلّ شهر رمضان على غزة هذا العام مثقلاً بوجع الفقد، فلا الموائد كما كانت، ولا البيوت تحتضن الضحك والحياة، غزة اليوم لا تبحث عن لقمة لتسد الرمق فحسب، بل عن "لمة" بعثرتها الحرب، وعن وجوه غابت وتركت خلفها كراسي فارغة تئن حنيناً.
الكراسي الفارغة.. حين ينكسر الظهر
لا شيء يوجع القلب أكثر من كرسي فارغ على مائدة الإفطار كان يوماً يضج بالحياة، في كل بيت، وفي كل خيمة نزوح، تتجدد مأساة الفقد مع كل أذان مغرب ومع كل لمة سحور.
يقول أحد النازحين: هفتقد والدتي وأخوي اللي استشهد هو وعائلته.. هفتقدهم على لمة الفطور وعلى لمة السحور."
وتضيف أخرى بعيون تفيض بالدموع: "هفتقد والدي.. كنا دايماً نتجمع على السفرة والمحبة، بس هاد رمضان ناقص، والسفرة ناقصة أغلى الناس."
هذه الشهادات ليست مجرد كلمات عابرة، بل صرخات أرواح فقدت سندها، تواجه قسوة الحياة في غياب العزوة، وسط ظروف إنسانية قاسية.
مآذن صامتة.. وجباه لا تنحني
على صعيد الروحانية، غاب صوت المآذن التي كانت تعانق السماء، وتحولت المساجد التي كانت تكتظ بالمصلين إلى أكوام من الحجارة والركام. لكن غزة، التي لا تعرف الانكسار، حولت أنقاض مساجدها إلى محاريب صمود؛ فالمصلون يقيمون صلاة التراويح فوق الركام وفي قلب المخيمات.
يقول أحد المصلين: "هدموا الحجر، لكنهم لم يهدموا فينا الصلاة.. نصلّي التراويح فوق ركام مسجدنا، مضيفا: "إن صوت التكبير بين الأنقاض في صلاة الفجر والتراويح يرسل رسالة صمود.. روح رمضان أقوى من آلة الدمار، والإيمان لا يلين أمام قسوة الحرب".
الحنين لبيوت صارت تراباً
كانت "اللمة" جوهر الشهر الفضيل، واليوم تشتتت العائلات بين خيام النزوح وذكريات البيوت المحطمة.
تقول سجود أبو لبن: "كل واحد صار بمكان.. ذكرياتنا والبيت والحارة والحبايب اللي كانوا يجمعونا على سفرة وحدة، هلقيت ما عادلهم مكان بيننا."
رمضان غزة: صبر أسطوري
يبقى رمضان غزة هذا العام حكاية صبر أسطورية؛ شعب يصوم عن كل شيء إلا الكرامة، ويصلي فوق الركام ليعلن أن المآذن وإن صمتت، فإن التكبير في قلوب أهلها لا يهدأ.
