دخلت المنطقة مرحلة استنفار تتجاوز منطق التحشيد العسكري الذي رافق جولتَي التفاوض السابقتين بين الولايات المتحدة وإيران. إذ لم يعُد ما يجري مجرّد تفعيل لأوراق الضغط بهدف تحسين الشروط، بل باتت تشير المعطيات المتراكمة منذ منتصف شباط الجاري، إلى احتمال وجود تحوّل نوعي في الحسابات الاستراتيجية لدى الأطراف المعنيّة. ما يرد من الولايات المتحدة، يعكس مستوى متقدّماً من الجدّية في النظر في الخيارات العسكرية؛ والتصريحات التي صدرت أو سُرّبت عن مسؤولين أميركيين حول أن «البنتاغون» استكمل جانباً مهماً من استعداداته العملياتية، وأن سيناريو الهجوم أمسى مطروحاً بقوة ضمن دائرة القرار التنفيذي، تعزّز ذلك الانطباع.
غير أن المسألة لا تتعلّق بالجاهزية العسكرية وحدها، بل أيضاً بطبيعة الإطار السياسي الذي يحيط بها. إذ على النقيض من الحرب الأميركية على العراق عام 2003، والتي استبقتها إدارة جورج بوش الابن بعروض تمهيدية وحملات واسعة النطاق ومتعدّدة الأبعاد لشرعنة الغزو، لا يبدو أن الإدارة الحالية تعتمد نموذج التعبئة السياسية التقليدية، وهو ما يخدم الاتجاهَين معاً: المسار الدبلوماسي والمواجهة العسكرية. هكذا، تميل إدارة الرئيس دونالد ترامب، إلى استخدام الغموض والضغط المتدرّج كأداة تفاوضية، مع تحديد مهل زمنية قصيرة وإطلاق رسائل ردعية مكثّفة، من دون بلورة سردية تفصيلية للرأي العام حول حدود العملية المحتملة وأهدافها النهائية.
وفي حين كان معتاداً، في الاستراتيجيات الأميركية، العمل على الإقناع بضرورة الحرب وجدواها قبل مباشرتها، وذلك تحت لافتة هدف واضح ومباشر، فإن الهدف في الحال الإيرانية الحاضرة، لا يزال حتى الآن حمّالاً لأوجه متعدّدة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد. إذ بين منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتقليص ترسانتها الصاروخية، ودعم الاحتجاجات الداخلية ضدّ نظامها، وصولاً إلى كبح نفوذها الإقليمي، تتكاثر التساؤلات حول ما إذا كان الهدف النهائي محدّداً بدقة، أم أنه لا يزال قيد التشكّل.
وعلى أيّ حال، يبدو ما يجري الآن امتداداً للاستراتيجية التي اعتمدها ترامب في فترات سابقة، والقائمة على مبدأ «الضغط الأقصى» المقرون بمهل زمنية قصيرة ومحدّدة، وذلك بهدف انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات خلال مدة وجيزة. وفي هذا الإطار، لا تبدو المهلة التي التزمت بها طهران لتقديم أجوبة خلال أسبوعين على مجمل الطروحات المقدًّمة إليها، تفصيلاً إجرائياً عادياً، بل هي عنصر ضاغط بحدّ ذاته. إذ إن تفعيل الضغط في هذه المرحلة الحساسة، يُراهَن عليه أميركياً لدفع إيران نحو تنازلات أوسع ممّا قد تقبله في سياق تفاوض مفتوح زمنياً، وبلا رافعات ضغط، أو تلويح بعملية عسكرية تبدو وشيكة.
على أن المسار العسكري يبدو أنه يتحرّك بوتيرة موازية، قد لا تكون مرتبطة بالكامل بمآلات التفاوض. فتعقيد الملف الإيراني - من البرنامج النووي، إلى شبكة التحالفات الإقليمية، والقدرة الصاروخية بينهما - يجعل فرص التوصل إلى تسوية شاملة في وقت قصير، محدودة جداً، بل وغير ممكنة، خصوصاً مع تأكيد طهران أنها لن تتفاوض من موقع ضعف، وأنها ستردّ على أيّ هجوم محتمل عليها، واعتقادها بأن «السلّة الكاملة»، في حال خضوعها لها، ستكون أسوأ في نتيجتها من أيّ حرب، مهما بلغت شدّة الحرب واتّسع مداها.
وفي خضمّ ذلك، تأتي المعطيات الواردة من تل أبيب لتُكسب المشهد بعداً إضافياً، خصوصاً أن إسرائيل هي في صلب هذه المعادلة، وليست على هامشها. ويعكس ما يخرج من واشنطن وتل أبيب في هذا الإطار، من تصريحات ومواقف وأنباء استعدادات، مستوى تنسيق مرتفعاً، يرجّح أن ينسحب على أيّ مواجهة واسعة، بل وأن يكون وثيقاً من البداية. ويعني ما تقدّم أن إسرائيل ستكون جزءاً لا يتجزأ من الهجوم على إيران، وليست متلقّياً فقط لردّات الفعل الإيرانية، علماً أنها ترى في التصعيد الراهن فرصة لإعادة رسم موازين القوى الإقليمية، وربما لإضعاف البنية الاستراتيجية للنظام الإيراني، من دون إخفاء سعيها الحثيث لدى الحليف الأميركي إلى الدفع لإسقاط هذا النظام. وعلى هذه الخلفية، يمكن اختصار الموقف الإسرائيلي بأنه استعداد حثيث - لا يراد له أن يتسبّب بذعر داخلي - لخوض حرب تفضّلها تل أبيب وتسعى إليها، في مقابل إمكانات التسوية التي تأمل ألّا يصل إليها الطرفان المفاوضان.
لكن السؤال المحوري أيضاً، والذي يُقدّر أن يكون حاضراً بقوة على طاولة القرار في واشنطن، كما في تل أبيب، لا يقتصر على ما إذا كانت الضربة ممكنة، بل يمتدّ إلى ما بعدها؟ فالتجارب الحديثة تشير إلى أن الضربات الجوية وحدها نادراً ما تؤدي إلى تغيير سياسي داخلي، وذلك ما لم تقترن بمسار سياسي واضح أو بمتغيّرات داخلية حاسمة. والحال الوحيدة التي يُستشهد بها غالباً لإسقاط نظام من الجو، هي ما جرى في كوسوفو عام 1999، فيما أظهرت تجارب أخرى أن الحسم يتطلّب تدخّلاً برّياً مطوّلاً، وهو خيار لا يبدو مطروحاً حتى الآن.
إلى جانب ذلك، تَحضر الحسابات السياسية الداخلية المرتبطة بكلّ من القيادتَين الأميركية والإسرائيلية؛ إذ إن ترامب يواجه تحدّيات تتعلّق بتراجع شعبيته بشكل واضح جداً، قبيل الانتخابات النصفية، فيما قد يرى رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، في أجواء التوتّر فرصة لتعزيز موقعه السياسي قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، التي باتت أيضاً قريبة نسبياً.
في المحصلة، يتشكّل مشهد معقّد تتداخل فيه اعتبارات الردع والتفاوض والسياسة الداخلية، وإعادة رسم التوازنات الإقليمية. وفيما لا توجد، حتى الآن، مؤشرات حاسمة على أن قرار الحرب قد اتّخذ بصورة نهائية، يضع مستوى الحشد والتصريحات المتبادلة المنطقة أمام لحظة اختبار حسّاسة، ليبقى السؤال بالتالي: هل يمثّل التصعيد الحالي ذروة ضغط تفاوضي يمهّد لتسوية، أم أنه بداية مسار مواجهة شاملة يصعب التراجع عنه؟
المصدر: الأخبار اللبنانية
