غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

السعودية على صفيح ساخن: من وسيط إلى هدف في الحرب المفاجئة

علم السعودية ...webp
شمس نيوز -

السعودية على صفيح ساخن: من وسيط إلى هدف في الحرب المفاجئة

كتب: احمد الدرزي

ما إن انتهت مفاوضات جنيف النووية بالفشل، حتى انقلبت الموازين في غرب آسيا بشكل دراماتيكي. ففي 28 فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة - بدفع من "إسرائيل" - عملية "الغضب الملحمي" (Epic Fury) ضد إيران، والتي طالت في بدايتها المرشد الأعلى علي خامنئي، رمز القيادة الإيرانية، ومعه عدد من قادة الصف الأول.

هذا التصعيد غير المسبوق أدى إلى تداعيات مباشرة على دول الخليج بشكل متفاوت، خاصة بعد استهداف القواعد العسكرية الأميركية فيها، بالإضافة إلى مقار "الموساد" الإسرائيلي في بعضها. وكانت السعودية، صاحبة الثقل الجيوسياسي والاقتصادي الأكبر في المنطقة، في قلب العاصفة، بعد تعرض قاعدة "سلطان" الجوية في الرياض - حيث توجد القوات الأميركية - لهجوم صاروخي إيراني. هذا التطور وضع الرياض مجدداً على صفيح ساخن، وأعاد طرح السؤال المصيري: أين أصبحت السعودية بعد أن كانت ترفض الحرب علناً وتعمل على منعها؟

الميراث الثقيل: علاقة معقدة مع إيران

لطالما شكلت العلاقة السعودية-الإيرانية واحدة من أكثر المعادلات تعقيداً في جيوسياسية غرب آسيا. منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، دخل البلدان في صراع وجودي امتد لعقود، نتيجة اختلاف الرؤية السياسية لمصير ومستقبل المنطقة والعالم الإسلامي، ورهان الرياض على الولايات المتحدة كحليف استراتيجي وحامٍ وحيد.

تجلّى هذا التناقض في توجهات السياسة الخارجية لكل منهما؛ فبينما تبنَّت طهران سياسة مواجهة مفتوحة مع واشنطن، والعمل على إخراجها من المنطقة عبر مشروع مقاومة "إسرائيل" (التي تعتبرها أكبر قاعدة عسكرية أميركية في العالم)، ظلت الرياض متمسكة بعلاقتها التاريخية مع الغرب. هذا الصراع ترجم عملياً إلى تنافس محموم على النفوذ، امتد من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن.

مراجعات كبرى: من أزمة الثقة إلى إعادة التموضع

بدأت الرياض بمراجعة حساباتها السياسية بعد امتناع الولايات المتحدة عن صد الهجمات اليمنية بالصواريخ والطائرات المسيرة على منشأة أرامكو في بقيق (شرق السعودية) عام 2019. حينها، أدركت القيادة السعودية أن حسابات المصلحة الأميركية لا تتطابق بالضرورة مع التزامات الحليف التقليدي.

فبدأت بتوسيع هامش الافتراق عن واشنطن، وصولاً إلى مصالحة مع إيران برعاية صينية في مارس 2023. ثم أتبعت ذلك بموقف مباين لعملية التطبيع "الإبراهيمي" بعد انطلاق عملية "طوفان الأقصى" وما رافقها من حرب إبادة في غزة، واضعة شروطاً تعجيزية للانضمام إلى أي حلف إقليمي، في مقدمتها تحقيق حل الدولتين.

قبل اندلاع الحرب الحالية، اتخذت الرياض موقفاً واضحاً برفض أي حرب واسعة على إيران، وأبلغت واشنطن رسمياً رفضها القاطع استخدام الأجواء أو الأراضي السعودية في أي عمل عسكري، مع ضغوط دبلوماسية مكثفة لثني الإدارة الأميركية عن المغامرة. فما الذي يفسر هذا الموقف، رغم التناقض والتنافس التاريخي بين البلدين؟

التحول الاستراتيجي: من سياسة الاحتواء إلى إدارة التنافس

شهدت السياسة السعودية تجاه إيران تحولاً جوهرياً خلال السنوات الأخيرة. فبعد عقود من سياسات المواجهة - التي بلغت ذروتها في الحرب اليمنية وقطع العلاقات الدبلوماسية عام 2016 - أدركت الرياض أن استمرار حالة التوتر مع طهران يشكل استنزافاً لمواردها ويعرقل أولوياتها التنموية الكبرى.

كان اتفاق استئناف العلاقات برعاية صينية في مارس 2023 نقطة تحول مفصلية، حيث مثَّل اعترافاً متبادلاً بأن التنافس يمكن إدارته من دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة تخدم مصالح أطراف ثالثة. اليوم، تدرك الرياض أن "العدو التقليدي" قد يتحول، في ظروف معينة، إلى حاجز جيوسياسي يقي المنطقة من مخاطر أكبر.

لماذا تخشى الرياض حرب إيران؟

أولاً: كابوس الفراغ والتفكك

السيناريو الأكثر رعباً بالنسبة إلى الرياض ليس انتصار إيران في حرب محتملة، بل انهيارها وتفككها. التجارب السابقة في العراق وليبيا وسوريا علمت صناع القرار السعودي درساً قاسياً: إسقاط الأنظمة يخلق فراغات خطيرة تملؤها الفوضى والميليشيات والتنظيمات المتطرفة. وما ينطبق على هذه الدول قد يكون أقسى في حالة إيران، بحكم حجمها الجغرافي والسكاني وتنوعها الإثني والمذهبي. انهيار الدولة المركزية فيها سيعني:

· موجات لجوء بالملايين، متجهة إلى دول الخليج وتركيا.

· صراعات إثنية ومذهبية قد تمتد إلى عمق المنطقة.

· ظهور قوى متطرفة لا تنسجم مع سياسات الانفتاح الجديدة.

لذلك، تفضل الرياض إيران ضعيفة لكن موجودة، على إيران منهارة لكنها قنبلة موقوتة بانتظار الانفجار.

ثانياً: رؤية 2030 والتنمية المستدامة

القلق السعودي ليس أمنياً فقط، بل تنموياً واقتصادياً بالدرجة الأولى. مشروع "رؤية 2030" الطموح يهدف إلى تحويل الاقتصاد السعودي من الاعتماد على النفط إلى اقتصاد متنوع، يعتمد على استقطاب رجال الأعمال والتكنولوجيا والسياحة. الحرب الإقليمية هي النقيض المباشر لهذه الرؤية:

· تحوّل الإنفاق من الاستثمار إلى التسلح والإنفاق العسكري الطارئ.

· تعطيل خطط التنويع الاقتصادي.

· زعزعة استقرار أسواق الطاقة، خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز، ما يهدد أكبر مصدر دخل للمملكة.

الرياض تعلم أن استقرار المنطقة شرط أساسي لنجاح مشروعها النهضوي.

ثالثاً: التحول في مفهوم التهديد من إيران إلى "إسرائيل"

ربما يكون هذا هو العامل الأكثر حسماً في الموقف السعودي. منذ الحرب الإسرائيلية على غزة، تكشفت النيات الإسرائيلية بشكل صادم. ما اعتبرته تل أبيب "انتصاراً ساحقاً" دفعها إلى الإعلان عن خرائطها التوسعية "من الفرات إلى النيل"، التي تضم أجزاء من الأراضي السعودية. والأكثر خطورة كان استهداف "إسرائيل" دولة قطر عبر الأجواء السعودية في محاولة لاغتيال قادة حماس، ما شكل انتهاكاً صارخاً للسيادة وأرسل رسالة واضحة إلى الرياض: "إسرائيل" مستعدة لانتهاك سيادة أي دولة عربية إذا رأت في ذلك مصلحة لها.

هذا التطور دفع الرياض إلى إعادة تقييم "مفهوم التهديد الوجودي" بشكل جذري.

رابعاً: إيران كحاجز جيوسياسي

هناك قناعة متزايدة في الرياض أن بقاء إيران يمثل توازناً ضرورياً في وجه التمدد الإسرائيلي. لو انهارت إيران، سينقلب ميزان القوى الإقليمي بشكل كامل لصالح "إسرائيل"، التي ستجد نفسها القوة المهيمنة الوحيدة من المحيط إلى الخليج.

هذا لا يعني تحول السعودية إلى حليف لإيران، بل إدراك أن توازن التهديدات أفضل من هيمنة قطب واحد. إيران الضعيفة تشغل "إسرائيل"، وتجعلها منشغلة بجبهات متعددة (لبنان، فلسطين، سوريا، العراق)، ما يمنح السعودية مساحة للمناورة والتنمية.

الخلاصة: معادلة البقاء في خضم الحرب

على الرغم من اندلاع الحرب والخشية من توسعها إقليمياً - خاصة مع سعي "تل أبيب" الحثيث لدفع دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، إلى مستنقع المواجهة عبر عمليات تخريبية تنسبها إلى إيران - إلا أن الرياض تفكر ألف مرة قبل الدخول في شراكة عسكرية ضد إيران. وذلك للأسباب التالية:

1. تخشى اختلال موازين القوى لصالح أي من الطرفين، لأن ذلك سينعكس عليها سلباً بشكل تلقائي.

2. مشاركتها في الحرب ستعني انكشافها أمام خصومها اليمنيين، الذين سيتحررون من التزاماتهم بعدم ضرب المنشآت النفطية السعودية، ما يقوض اقتصادها ومشروعها التنموي، وهي بالأساس  لا تستطيع تحمل إخراج محطات تحلية المياه من الخدمة بشكل مباشر.

3. لا يمكنها الوثوق بالمشروع الإسرائيلي، فحتى الانتصار في الحرب لن يحميها من أن تكون "الجائزة الكبرى" التالية على طاولة التوسع.

يتلخص موقف الرياض في معادلة دقيقة: تريد إيران ضعيفة بما يكفي لعدم تهديدها، وقوية بما يكفي لعدم انهيارها. هي غير قادرة على المشاركة في حرب لا تستطيع تحمل تبعاتها، ولا تضمن نتائجها أياً كانت. وتراهن على قدرتها، أثناء الحرب وبعدها، على تحويل التنافس مع إيران من صراع وجودي إلى منافسة مدارة بعقلية الدولة.

تبقى المفارقة الكبرى: بعد 47 عاماً من العداء، أصبحت مصالح السعودية وإيران متقاطعة في نقطة واحدة هي البقاء والتوازن، في مواجهة قوى إقليمية ودولية لا تريد لأي منهما الاستقرار.