غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

البريطانيون يدفعون فاتورة جنون ترامب

بريطانيا وأمريكا.webp
شمس نيوز - وكالات

 أمام الصمود الإيراني المستمرّ في مواجهة العدوان الأميركي - الإسرائيلي، وانحسار الآمال في حسم سريع للصراع، تقف المملكة المتحدة في خضمّ عاصفة من الآثار المُتدحرجة والمحتملة التي تضرب اقتصادها أو تهدّده على المديَين القصير والمتوسط. ويأتي ذلك فيما تتشابك تداعيات مسرح العمليات في الشرق الأوسط مع أزمات طاحنة في قطاعَي الطاقة والأمن الغذائي العالميَّيْن، وهو ما يحمّل الموازنات العامة المُنهَكة تكاليف باهظة، ويضع الاستقرار المعيشي للبريطانيين العاديين وتفاصيل حياتهم اليومية تحت ضغط هائل. ودفعت القفزات الجنونية في أسعار الوقود واضطرابات سلاسل التوريد، إلى إطلاق مناشدات عاجلة للسائقين لتقليص رحلاتهم لتوفير النفقات، وذلك بالتزامن مع تحذيرات جدّية من ركود اقتصادي عالمي وانهيار أسهم الشركات في العديد من القطاعات.


وتعاني الأسواق الغربيّة بشدّة من تبعات الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الممرّ المائي الحيوي الذي يَعبر من خلاله حوالي ربع إمدادات النفط والغاز العالمية. ويتقدّم تلك التبعات، كسْر أسعار خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، وتسجيلها 119.50 دولاراً مع فتح الأسواق أمس، قبل أن تستقرّ التداولات اللاحقة قرب مستويات مرتفعة تتجاوز 106 دولارات للبرميل. وانعكست هذه الارتفاعات مباشرة على أسعار التجزئة في محطّات الوقود البريطانية التي لوحظت صفوف طويلة تتجمّع أمامها سعياً لملء خزانات المركبات، قبل ورود الإمدادات الجديدة بأسعار أعلى.

وانسحب هذا الاضطراب على أسعار الغاز في المملكة المتحدة، التي ارتفعت أمس بـ19%، ما وضع صانعي السياسات في بنك إنكلترا أمام معضلة حقيقية، مجبراً إياهم على تجميد خطط خفض أسعار الفائدة المتوقَّعة سلفاً، في ظلّ تنامي المخاطر التضخمية. وإذ تعتمد المملكة المتحدة على الغاز لتوليد 30% من إنتاج شبكة الكهرباء الخاصة بها، ولتدفئة 70% من المنازل، ففي ظلّ الوضع الحالي، قد تجد وزيرة الخزانة الحالية، راشيل ريفز، نفسها تحت ضغط هائل لابتكار حلول مالية مشابهة لحزمة الإنقاذ المكلفة التي أقرّتها رئيسة الوزراء السابقة، ليز تراس، عام 2022، بتكلفة تجاوزت 100 مليار جنيه إسترليني، وذلك للتخفيف من تأثير أزمة الطاقة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وتحذّر مديرة «صندوق النقد الدولي»، كريستالينا جورجيفا، من خطورة الوضع، مشيرة إلى قاعدة اقتصادية صارمة تؤكد أن ارتفاع أسعار الطاقة يضيف نقاطاً أساسية إلى التضخم العالمي، ويخفّض النمو الاقتصادي بشكل ملموس. وتتوقّع المعاهد الاقتصادية، بدورها، تراجع نمو الدخل القومي في بريطانيا إلى أقلّ من 1%، وتراجع النمو في منطقة اليورو، ما سيعمّق الضغوط الاقتصادية ويطيل أفق التعافي المأمول.

دفعت الهجمات المتكررة عشرات آلاف المغتربين البريطانيين إلى الفرار من منطقة الخليج


وتمتدّ ارتدادات العدوان الأميركي-الإسرائيلي لتمسّ أسس الأمن الغذائي العالمي والأوروبي، إذ تعتمد الزراعة العالمية، المُنتِجة لنصف الإمدادات الغذائية للبشرية، على الأسمدة النيتروجينية المُصنَّعة في دول الخليج، والتي تعبر مضيق هرمز للوصول إلى المزارعين. وفي حين تساهم قطر والسعودية والإمارات والبحرين وإيران في تصدير أكثر من ثلث الإنتاج العالمي من سماد اليوريا، ونحو ربع إنتاج الأمونيا، فقد أدّى توقف حركة الملاحة واستهداف البنية التحتية للطاقة، وتعطّل منتجين رئيسيْن من مثل «قطر للطاقة»، إلى قفزة هائلة في أسعار الأسمدة، ومن بينها اليوريا التي ارتفع سعرها في أسواق التداول بنسبة تفوق 35% خلال أيام معدودة. ويهدّد هذا الارتفاع المحاصيل الربيعية في نصف الكرة الشمالي، منذراً بازدياد حتمي ومؤكّد في أسعار المواد الغذائية على رفوف المتاجر البريطانية والأوروبية، ومضاعفاً أزمة تكلفة المعيشة التي تستنزف ميزانيات الأسر منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008. وتتفاقم الأزمة بإضافة تعقيدات تتعلّق بمادة الكبريت، الضرورية لصناعة الأسمدة الفوسفاتية، التي يقبع نصف المخزون العالمي منها حالياً في الجانب المحاصَر من مضيق هرمز، دافعاً الأسعار نحو مستويات قياسية تزيد من أعباء المزارعين.

كذلك، أطلق العدوان الأميركي والإسرائيلي، وما استتبعه من ضربات متبادلة استهدفت البنية التحتية للطاقة على جانبَي الخليج، موجة هجرة عكسية، سريعة ومربكة من المنطقة، إذ دفعت الهجمات المتكررة عشرات آلاف المغتربين البريطانيين - ولا سيما من المهندسين وذوي الياقات البيضاء - إلى الفرار من منطقة الخليج والعودة إلى بلادهم بحثاً عن ملاذ آمن. وبحسب الخارجية البريطانية، فإن أكثر من مئة ألف بريطاني من أصل حوالي 300 ألف يقيمون في دول الخليج، قد سجّلوا لديها طلباً للمساعدة في إخلائهم.


وتُضاعف هذه العودة الجماعية المفاجئة الضغط على قطاعات الإسكان والرعاية الصحية وسوق العمل في بريطانيا، والتي تعيش أصلاً أزمات هيكلية خانقة، في حين تتطلّب إدارة إعادة دمج تلك الكفاءات وتوفير الخدمات الأساسية لها موارد مالية ضخمة تزيد من أعباء الخزانة العامة. وإلى جانب ما تقدّم، ستفتقد بريطانيا تدفّقات نقدية مهمة متمثّلة في تحويلات المغتربين التي كانت تدعم الاقتصاد المحلي، بعدما تحوّل هؤلاء من مصادر للعملة الصعبة إلى باحثين عن فرص عمل وخدمات حكومية في سوق يعاني ركوداً تضخّمياً.


في خضمّ كلّ ذلك، يواجه رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، انتقادات حادّة جراء سوء إدارته لهذه الأزمة المتصاعدة، والتي وصفها مراقبون بـ«التخبط الاستراتيجي». وكان ستارمر قد رفض في البداية طلب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، استخدام القواعد الجوية البريطانية لشنّ ضربات أولية على إيران، محاولاً النأي ببلاده عن الصراع، قبل أن يتراجع لاحقاً أمام الضغوط الدبلوماسية، سامحاً للقوات الأميركية باستخدام تلك القواعد، من دون أن يعفيه ذلك من السخرية العلنية من جانب الرئيس الأميركي.


وتسبّب موقف الحكومة المتناقض بغضب عارم في الأوساط السياسية بشقَّيها اليميني واليساري. وبينما يطالب زعيم «حزب الخضر» – يسار الوسط -، زاك بولانسكي، المنتشي بفوز حزبه أخيراً في انتخابات فرعية، بوقف تامّ لاستخدام القواعد البريطانية في مساندة العدوان على إيران، يصرّ زعيم «حزب الإصلاح»، نايجل فاراج، وزعيمة المحافظين، كيمي بادينوك، على ضرورة حسم التردّد والالتحاق بالقطار الأميركي - الإسرائيلي.

وفي المقابل، تعكس استطلاعات الرأي حجم الاستياء الشعبي من هذا التخبّط؛ حيث أبدى 60% من البريطانيين غضبهم من أداء رئيس الوزراء، ورفضت الأغلبية الساحقة فكرة تحوّل بريطانيا إلى طرف مباشر في الحرب، مفضّلين تركيز الجهود الحكومية على إنقاذ الاقتصاد المحلي المترنّح. مع ذلك، وفي موازاة الانعكاسات الاقتصادية، تنزلق بريطانيا تدريجياً نحو مستنقع العمليات العسكرية المباشرة، وهو ما يستنزف ميزانية وزارة الدفاع والمخصّصات السنوية الاعتيادية على نحو سيفرض أعباء جديدة على دافعي الضرائب. وعلى هذه الخلفية، تعالت أصوات النقابات العمالية والبرلمانيين، مطالِبةً بتخصيص حزم دعم مالي عاجلة لإنقاذ الأسر والشركات الصغيرة من الإفلاس المُحقَّق بسبب فواتير الطاقة المتضخّمة، بدلاً من توجيه الأموال لتمويل ماكينة حرب خارجية تزيد من تعقيد المشهد الدولي، وتعمّق أوجاع البريطانيين الأقلّ حظاً.