كتب: احمد عبدالرحمن
لا يمكن بحال من الأحوال التقليل من تأثير أو فعالية الضربة الإسرائيلية-الأميركية الغادرة التي استهدفت الجمهورية الإسلامية في إيران صباح الثامن والعشرون من الشهر الماضي، ولا يمكن إنكار او إخفاء حجم الخسائر الكبيرة التي تكبّدتها إيران في ذلك الصباح الدامي، والتي كان في مقدمتها استشهاد قائد الثورة ومرشدها، وقائد سفينة الشعب والنظام في إيران خلال أكثر من أربعة عقود ونصف.
يمكن الاعتقاد وربما الجزم بأن الهدف الأساسي للحرب العدوانية على إيران هو إسقاط النظام الإسلامي، والسيطرة على مقاليد الحكم بشكل تام، وتحويل هذه الجمهورية العزيزة والمقتدرة إلى نظام تابع ومنقاد للإرادة الأميركية والإسرائيلية كما هو حال معظم نظم المنطقة، والتي كشفت الحرب الظالمة انحيازها الكامل لمحور الشر، بل وتحوّلها إلى جدار صد لحماية الكيان الصهيوني المارق، والذي أثبتت التجربة خلال السنتين الماضيتين أنه نجح ومعه الإدارتين الأميركيتين الحالية والسابقة في إنشاء تحالف إقليمي للدفاع عنه في وجه الهجمات القادمة من الشرق على وجه الخصوص، كما هو الحال في مواجهة الهجمات الآتية من اليمن ولبنان.
إلى جانب إسقاط النظام الإسلامي في إيران، والذي تحوّل منذ نجاح الثورة إلى ألد أعداء "إسرائيل" وأميركا وباقي أطراف محور الشر، وبات هو الداعم شبه الوحيد لقوى المقاومة والممانعة في المنطقة، جاءت الرغبة الأميركية في ظل رئاسة "السمسار" دونالد ترامب في السيطرة على الثروات الإيرانية من نفط وغاز وغيرهما من ضمن أهداف الحرب كما فعل مع فنزويلا، وكما يريد أن يفعل في مناطق أخرى حول العالم، هذا بالإضافة إلى محاولة رسم خريطة جيوسياسية جديدة للإقليم، تصبح فيها "الدولة" العبرية الحاكم الوحيد للمنطقة، وتُدخل الجميع رغم أنوفهم في الزمن الإسرائيلي الذي ما زالت تبحث عنه من أكثر من سبعٍ وسبعين عاماً.
في مواجهة الحملة المسعورة التي شُنّت على إيران ،والتي كما يبدو تم التحضير لها استخباريا وعمليّاتيا منذ عدّة سنوات، وهي استمرار لعدوان يونيو/حزيران من العام المنصرم، وعمليات الاغتيال والتخريب التي لم تتوقف منذ نجاح الثورة، بدت الجمهورية الإيرانية كمني يواجه الريح وحيداً، دون حلفاء كٌثر، وفي ظل معاناتها من عديد المشاكل والأزمات على مختلف الصعد، وفي المقدّمة منها الوضع الاقتصادي المتدهور نتيجة الحصار والعقوبات، إلى جانب "الاحتجاجات" الداخلية الموجّهة، والتي تحوّلت إلى أعمال تخريبية واسعة النطاق، كادت لولا صلابة النظام، والتفاف الجماهير حوله أن تُدخل البلاد في أتون حرب اهليّة مدمّرة، لا سيّما وأن مراهنة أعداء الجمهورية عليها دفعهم لدعمها بكل ما تحتاج من وسائل دعاية، وملايين الدولارات، بالإضافة إلى الأسلحة النارية التي تم استخدامها في كثير من المناطق الإيرانية لقتل رجال الأمن والشرطة، وصولاً إلى قتل المواطنين العاديين لتأجيج نار الفتنة والاقتتال الداخلي.
في مواجهة كل ذلك، فعّلت إيران بجميع أجهزتها ومؤسساتها خططاً كانت أعدّت مسبقا، وهي خطط اعتمدت على مرونة تكتيكية هائلة، بإمكانها التجاوب مع مختلف الظروف، حتى تلك التي تفقد فيها البلاد قائدها الأول، وثلّة كبيرة من قادتها العسكريين والأمنيين، بالإضافة إلى استهداف مراكز الحكم فيها، والتي تشرف على تنفيذ سياسات البلاد المختلفة، وتؤمّن الجزء الأكبر من حالة الاستقرار التي يحتاجها أي شعب وأي دولة.
ليس هذا فحسب، بل وتمكنّت الجمهورية الإسلامية في إيران من استعادة زمام الفعل والمبادرة في معظم المجالات، وانتقلت من مرحلة الدفاع إلى الهجوم، وحشرت أعدائها في زاوية ضيّقة، ذات خيارات محدودة، بعضها قد يبدو انتحارياً مثل اللجوء إلى أسلحة كاسرة للتوازن مثل السلاح النووي، وأخرى سيشكّل الركون إليها استسلاماً غير مسبوق، وستعلن في حال حدوثها عن هزيمة ساحقة لمحور الشر امام منعة وقدرة الجمهورية الإسلامية، والتي تقف اليوم في صدارة القوى العالمية المناوئة لقوى الهيمنة والاستعمار.
على المستوى السياسي، وبعد أن نجحت الولايات المتحدة الأميركية في استمالة الكثير من دول العالم نحو موقفها المتشدّد من إيران، والذي استخدمت فيه فزّاعة "قمع" المحتجّين وقتلهم، بالإضافة إلى السردية المعتادة عن خطورة البرنامج النووي الإيراني على المنطقة والعالم، مضافاً إليهما برنامج الصواريخ البالستية، والذي يمكن اعتباره كما كشفت مجريات الحرب التهديد الأساسي للكيان الصهيوني المجرم، وللقواعد الاستخبارية والعسكرية الأميركية في المنطقة، استخدمت كل ذلك للحصول على مشروعية دولية لعدوانها على إيران، وهي المشروعية التي منحتها لها كل دول محور الشر، إضافة إلى دول إقليمية معتبرة، تبيّن خلال الأسبوعين الأخيرين أنها عبارة عن منصّات إطلاق صواريخ وطائرات أميركية متقدّمة، وانّ حظائر ومدارج طائرات العدو الحربية فيها أكبر من كل مؤسساتها الخدمية الأخرى، وأن فائض الأموال لديها مخصّص لتعويض أميركا بل و "إسرائيل" عن خسائرهما الكبيرة في المواجهة الحالية.
بعد بدء الحرب انقلبت الموازين السياسية رأساً على عقب، وتمكّنت إيران بذكاء وحنكة منقطة النظير من تعرية الموقف الأميركي والإسرائيلي في كل الميادين، بل ودفعت الكثير من الدول العالمية والإقليمية لتغيير موقفها المنحاز للطرف المعادي، وهو الأمر الذي بدا جليّا في مواقف دول مثل الصين وروسيا وتركيا والهند وغيرها، بالإضافة إلى معظم دول المنطقة، والتي تبيّن لها أن المخطّط الأميركي-الإسرائيلي يهدف إلى السيطرة على كل المنطقة، وسرقة ثرواتها، وهو الأمر الذي يهدّدها بشكل مباشر ويمكن أن ينتقل إليها لاحقاً.
على المستوى العسكري والذي يشهد اختلالاً واضحاص لصالح المحور المعادي للثورة الإسلامية ،والذي يملك إمكانيات وقدرات يكاد لا يملكها سواه في العالم، خصوصاً على صعيد سلاح الجو، والبوارج العسكرية، بالإضافة إلى منظومة الاستخبارات الهائلة التي تعتمد على الأقمار الاصطناعية، والأدوات التكنولوجية، إلى جانب الاستخبارات البشرية والتنبّؤية، تمكنّت الجمهورية الإسلامية بقدراتها الذاتية، وبإمكانيات مصنّعة محليّا، من استعادة زمام المعركة المحتدمة، ومن تحويل دفّتها لصالحها رغم حجم الخسائر والتضحيات، وهو الأمر الذي بدا مفاجئا لأعدائها، بل لكثير من أنصارها ومحبّيها، إذ إن فارق القوّة، والخلل في الإمكانيات، بالإضافة إلى العملية الغادرة والمفاجئة التي أصابت قلب النظام وعقله، قد جعلت الكثيرين يؤمنون بإمكانية سقوط الدولة، وتفكّك مؤسسات الحكم، بل وحدوث ذلك في أيام معدودات كما كان يرغب "مجنون" البيت الأبيض، وإلى جانبه مجرم الحرب والمطلوب للعدالة الدولية المختبئ تحت الأرض في "تل أبيب".
غير أن رد الفعل الإيراني العسكري النوعي، والذي توسّع في هذه المعركة ليصل إلى كل القواعد الأميركية في المنطقة، وفي المقدّمة منها القاعدة المركزية المسمّاة "إسرائيل"، بالإضافة إلى استهداف كل المراكز الأمنية والاستخبارية وأوكار التجسّس، والتي كان يُعتقد بأنها بعيدة عن أعين الاستخبارات الإيرانية، لا سيّما وهي تتموضع في بنايات وأبراج سكنية في العديد من دول المنطقة، وتتخّذ عناوين وهمية مضلّلة، بل ووصل الأمر إلى استهداف القطع البحرية الامريكية الضخمة، والتي تُعتبر ذراع أمريكا الطويلة، والتي تؤمّن لها سيطرة شبه مطلقة على كافة الممرات المائية حول العالم، وتهدّد من خلالها كل "مناوئيها" ومعارضيها، ما اضطرّها إلى الانكفاء والهرب، وفي أحسن الأحول التموضع على بعد مئات الكيلومترات من الحدود الإيرانية.
اقتصادياً نجحت إيران المقتدرة، وعلى الرغم من الحصار المطبق عليها منذ أكثر من سبعة وأربعين عاماً، ورغم ما تتعرّض له من هجمات واسعة، استهدف بعضها مواردها الطبيعية، وموانئها البحرية، بل والكثير من مصانعها الحيوية المنتجة، أن تتجاوز عنق الزجاجة، وان تُفشل عملية خنقها وتجفيف موادرها، بل وتمكّنت في ظل العدوان من زيادة انتاجها النفطي أكثر من الفترة التي سبقت الحرب، ونجحت في تصدير كميّات كبيرة منه رغم انف الأعداء.
على صعيد موازٍ تمكنّت إيران من رفع تكلفة الحرب على الجانب المعادي، فهي وبذكاء منقطع النظير باتت تتحكّم بأكثر من ربع صادرات العالم من النفط والغاز، ونجحت في دفع الكثير من الدول إلى استجداء السماح بمرور ناقلاتها النفطية من مضيق هرمز الحيوي والاستراتيجي، والذي وعلى الرغم من التهديدات "الترامبية" بفتحه بالقوة، إلا أنه لم يُسجّل مرور ناقلة واحدة منه منذ بدء الحرب إلا بعد الحصول على موافقة من الحرس الثوري الإيراني.
على المستوى الاقتصادي الداخلي استطاعت إيران تأمين كل احتياجات شعبها من مواد غذائية ودوائية، ولم يُسجّل حتى الآن وبشهادة وسائل إعلام أجنبية أي نقص في الأسواق، ولم تُلاحظ أي علامات على حدوث انهيار اقتصادي كما كان يسعى الأعداء، وهذا ما انعكس إيجاباً على عموم الشعب الإيراني، والذي تعزّزت ثقته بنظامه الإسلامي، وبحكومته التي تعمل بكل نشاط لتلبية احتياجاته، وتوفير كل ما يلزم له في هذا الوقت الصعب والحسّاس.
الجانب الإعلامي المهم هو الآخر شهد نقلة نوعية وحاسمة، إذ باتت السردية الإيرانية حول ما يجري من عدوان، وحق إيران في الرد عليه تتفوّق بمراحل على الرواية الأمريكية والإسرائيلية، والتي ورغم امتلاكها لمعظم امبراطوريات الإعلام العالمية، وحصولها على دعم ومساندة من كبرى القنوات التلفزيونية حتى تلك الناطقة باللغة العربية، تفتقر إلى المصداقية بصورة لم تحدث من قبل، وهذا ما دفع الكثير من أشهر الإعلاميين حول العالم، بالإضافة إلى الملايين عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسم الرئيس الأمريكي ترامب، وحليفه "النرجسي" في "تل أبيب" بالكذب، وباتت معظم تصريحاتهما، إلى جانب تصريحات الناطقين العسكرين والسياسيين باسمهما مثار جدل كبير حتى في وسائل الإعلام التابعة لهما ،بل وباتت مادة دسمة للسخرية والتهكّم.
في مقابل ذلك بات المتحدثون الإيرانيون يحظون بدرجة عالية من المصداقية، خصوصاً بعد أن كشفت الكثير من الأحداث عن صدق رواياتهم، وعن تمتّعهم بدرجة عالية من المصداقة والشفافية، وهي الشفافية التي تجعلهم يعلنون عن خسائرهم بشكل واضح، فيما الطرف الآخر يتكتّم ويختبئ خلف رواياته المتضاربة، وفي كثير من الأحيان خلف تلك التي تفتقر لأدنى درجات المهنية والموضوعية.
على جوانب أخرى استعادت إيران أيضا زمام المبادرة، مثل السيطرة على "الاحتجاجات" الداخلية، والتي تحوّلت إلى أداة بيد أعداء الدولة لإسقاط النظام، حيث تحوّلت "مسيرات" الاحتجاج المحتشمة والتي جرى تضخيمها والنفخ فيها، إلى مسيرات مليونيه مؤيدة للثورة، وداعمة لخيار التصدّي للعدوان، ومناصرة للمرشد الجديد الذي أراد العدوان باغتيال والده "رضوان الله عليه" فك الشراكة بين المؤسسة الدينية والسياسية وبين الشعب، فإذا بها تزداد تلاحما ووحدة، مسقطة في طريقها كل أوهام أعداء الثورة في الداخل والخارج.
استعادة زمام المبادرة لم ينحصر فقط على الجمهورية الإسلامية في إيران، بل وانسحب أيضا على جبهات المقاومة الأخرى خصوصاً في لبنان والعراق، والتي اعتقد البعض أنها انكفأت لتداوي جراحها، وتنظّم صفوفها بعد ما لحق بها من خسائر، خصوصاً ما جرى مع حزب الله في لبنان، فإذا بهذا الحزب العزيز والمقتدر كما هو حال فصائل المقاومة الإسلامية في العراق يعود بقوة لم يتوقّعها أحد، لا سيّما العدو الإسرائيلي، والذي اعتقد واهماً أنه وجّه للحزب أكبر ضربة في تاريخه كما كان يشيع نتنياهو المأزوم، وبل وان هذا الحزب فاجأ أنصاره ومحبّيه أيضاً، والذين أصابهم بعض اليأس خصوصاً مع توالي الضربات الإسرائيلية دون رد خلال العام الماضي،وهو ما ولّد انطباعا بأن الحزب قد فقد قوّته،ولا يرغب او لا يستطيع مواجهة العدو الصهيوني من جديد.
إلا أن ما حدث منذ انضمام الحزب للمعركة مع العدو المجرم، وما حقّقه من إنجازات لافتة قد قلب الصورة رأساً على عقب، وأسقط مجمل السردية الإسرائيلية السابقة، والتي كان يتبنّاها أعداء الحزب والمقاومة في داخل لبنان وفي خارجه.
على كل حال، وبعد أكثر من أسبوعين من انطلاق عملية "وعد صادق4 "الإيرانية للرد على جرائم الأعداء، وبعد ان انضمّت إليها عملية "العصف المأكول" في لبنان، تبدو كل الاحتمالات واردة، وتبدو المرحلة القادمة شديدة الحساسيّة والتعقيد، وتبدو المنطقة وربما العالم مهيّأة لأحداث دراماتيكية، وأحداث جيوسياسية، ربما تصل في بعض تداعياتها لنشوء أزمات دولية، وتحوّلات عالمية.
إلا أن الثابت الوحيد في كل ما يحدث هو أن أعداء الأمة قد اختاروا الطريق الأصعب للوصول إلى مبتغاهم، وأنهم قد سلكوا طريقاً محفوفاً بالكثير من الأخطار، مخدوعين بفائض القوة، ومسكونين بجنون العظمة، غير أن حسابات حقلهم لم تتوافق كما يبدو مع حسابات بيدر قوى المقاومة والممانعة، والتي لم تكن يوماً نمراً من ورق، أو وهماً يتبدّد مع أول اختبار، بل كانت وما زالت بنيان متكامل من الإرادة والإصرار، ومن الثبات على المبادئ، وقبل كل ذلك من الإيمان العميق بعدالة قضيّتها، ومشروعية أهدافها، والتي لم تكن في يوم من الأيام أقرب لتحقيقها من هذا الوقت.
