تعرضت المقاومة في قطاع غزة خلال عام 2025 لخسائر فادحة لا سيما بارتقاء عدد كبير من القادة الميدانيين والسياسيين، إلا أنها حافظت على رؤيتها واستراتيجيتها بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي رغم ضغوط عربية ودولية مورست على مدار العام الماضي لنزع فكرة المقاومة من جذورها.
ولم تنجح الضغوط العربية والدولية لثني المقاومة، التي صمدت وواجهت العاصفة بكل ثبات وذكاء، بل خضع العالم أمام إرادة وعزيمة المقاومة بفرض اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى في مشهد عزز ثقة الحاضنة الشعبية بقادة المقاومة.
وفي هذا السياق استضافت وكالة "شمس نيوز" الخبير العسكري الأردني الدكتور قاصد محمود للحديث عن أبرز التحديات التي تعرضت لها المقاومة والإنجازات التي حققتها على مدار عام كامل من المقاومة والثبات في وجه الاحتلال الإسرائيلي ورؤيته الاستشرافية للعام الجديد 2026.
عام ثقيل على المقاومة
إذ رأى الخبير العسكري أن عام 2025 كان عامًا ثقيلًا على المقاومة في غزة، إذ أثر على قراراتها السياسية؛ لكنه لم يؤثر البتة في استراتيجياتها ومعنوياتها في مواجهة الاحتلال؛ مشيرًا إلى أن غياب الحالة السياسية الفلسطينية والعربية حال دون الاستفادة من نجاحات المقاومة التي تحققت منذ بداية طوفان الأقصى.
وأكد الدكتور قاصد محمود أن معركة طوفان الأقصى هي جزء من حالة المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، لكنها تعتبر إعجازًا بشريًا مهمًا يُسجل في تاريخ المقاومة، في المقابل فإن "إسرائيل" حققت انجازًا من حيث الوحشية والعنصرية وسياسة الإبادة وانكشاف فسادها وجرائمها وطغيانها أمام أحرار العالم.
ولفت إلى أن المقاومة تعرضت خلال عام 2025 طالت بعض عوامل القوة الرئيسية لا سيما باستشهاد عدد من القادة السياسيين والميدانيين، إضافة إلى فقدان ورقة الأسرى بعد صفقة مشرفة فرضتها على إسرائيل، قائلًا: "لم تتمكن إسرائيل طيلة أيام الإبادة من استعادة جنودها الأسرى، إلا عن طريق عقد صفقة مع المقاومة، وهذا انجاز مهم للمقاومة".
وحافظت المقاومة كما يرى الخبير العسكري، خلال عام 2025 على عاملين مهمين هما إرادتها وروحها، إذ تمكنت من تطوير حالة القتال العملياتي والإبداعي وبوسائل قتالية متاحة، مشددًا على أن المرحلة الراهنة يجب أن تركز المقاومة على مهام محددة لا سيما استنزاف الاحتلال وإبقائه في حالة قلق دائم وإلحاق الأذى بقواته".
وأوضح أن المقاومة وعلى مدار 5 سنوات ماضية أصبحت كابوسًا يؤرق حياة الإسرائيليين ويؤثر على معيشتهم نفسيًا واجتماعيًا وسياسيًا.
انتاج القادة عامل قوة
وفيما يتعلق باستغلال الإعلام الإسرائيلي لنجاح الاحتلال من اغتيال قادة المقاومة لا سيما القادة في الصف الأول من المجالس العسكرية قال: "إن الإعلام الإسرائيلي حاول توظيف اغتيال قادة المقاومة ليؤثر على معنويات الشعب الفلسطيني في غزة؛ لكن الحقيقة غير ذلك إذ تمكنت من المقاومة من استثمار اغتيال قادتها بتطوير قادة جدد وتجديد عملياتها القتالية.
وبين أن المجازر بحق قادة فصائل المقاومة أنتجت قيادات جديدة تحمل مفاهيم جديدة قد تكون أكثر إبداعًا وقوة وانتقامًا وهذا ما أثبتته الأيام قبل اتفاق وقف إطلاق النار، عادة ما تكون هذه الإبداعات العسكرية مكبوتة بين القيادة الكبار، لافتًا إلى أن تماسك المقاومة أثبتت أنها ليست أشخاصًا بل فكرة ورؤى استراتيجية تعمل على الهرم في إدارتها.
لمتابعة آخر المستجدات الميدانية والسياسية للحرب على غزة اشترك بقناة شمس نيوز على منصة تيلجرام
وأوضح أنه رغم كل ما جرى للمقاومة من خسائر في ملف القادة والممتلكات إلا أنها متماسكة وتملك نواصي صنع القرار السليم في غزة.
وعن قرار المقاومة بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار عام 2025 أشار الدكتور قاصد محمود، إلى أن عدم توفر حالة سياسية إيجابية لاستثمار الإنجازات الميدانية، دفع المقاومة للتمايز بين الخيارات المتاحة، إذ وضعت أمامها أنين المواطنين والجوعى والنازحين وبين اتفاق وقف إطلاق النار، فكانت الموافقة على مبادرة ترامب موافقة ذكية ومدروسة بشكل جيد من القادة.
ويعتقد أن الموافقة الذكية على مبادرة ترامب، عملت على تحقيق أمرين مهمين، أسست لاتصال مباشر مع إدارة ترامب وفريقه في عملية التفاوض، ورسخت نفسها كلاعب رئيسي في المشهد القادم لعام 2026.
الموافقة على وقف النار ذكية ومدروسة
وعن تداعيات الموافقة على مبادرة ترامب لوقف إطلاق النار قال: "علينا أن نتفهم أن الأمور السياسية دخلت مربعًا جديدًا في غزة يختلف تمامًا عن السابق، وآن الأوان لغزة أن تأخذ بعض الراحة لتشهد حالة من التحول لإعادة الإعمار.
ولفت إلى أن القرار يدفع لتقديم الجانب السياسي على الجانب العسكري، ليقود المرحلة الجديدة لا سيما خلال العام الجديد 2026.
وعن رؤيته الاستشرافية للمقاومة خلال العام الجديد 2026 قال: "في عام 2026 يجب أن تدخل المقاومة مرحلة جديدة لإعادة التقييم وبناء استراتيجيتها بحيث تتلاءم مع ما هو قادم من متطلبات سياسية وعسكرية في المنطقة والإقليم"، مبينًا أن تجميد السلاح أو نزعه أو وضعه هي مجرد عبارات لا تقدم ولا تؤخر من استراتيجية المقاومة التي تتمثل في إرادتها وروحها.
ويعتقد الخبير العسكري أن الأعمال العسكرية للمقاومة لا سيما خلال العامين الماضيين أتت أكلها، وقد تتغير طبيعة وشكل العمل المقاوم في غزة خلال المرحلة المقبلة لذلك يجب أن تطور المقاومة استراتيجيات تختلف عن السابق في إعادة انتاج وسائل قتال مناسبة وأساليب ومكان القتال".
الحديث عن نزع السلاح لا يؤثر على استراتيجيات المقاومة
وعن الحديث عن نزع أو وضع السلاح أشار إلى أن المصطلحات لا تقدم ولا تؤخر في استراتيجيات المقاومة، مستذكرًا الاتفاق مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بتجميد استخدام السلاح في تسعينيات القرن الماضي؛ لكن السلاح عاد وبقوة، لأن الاحتلال ما زال قائمًا على أرض فلسطين.
ولفت الدكتور قاصد محمود إلى أن الواقع العالمي والنظام الدولي مصمم لخدمة إسرائيل فلا تستطيع المقاومة تحرير فلسطين دون أن تواجه النظام الدولي بأكمله بما في ذلك النظام العربي والإسلامي الأكثر تأثيرا على المقاومة.
وعلى المقاومة كما يقول الخبير العسكري أن تكتسب الوقت خلال عام 2026 بترميم نفسها ووضعها واستراتيجيتها وكل ما يتعلق بمستقبلها أو تظهر بثوب جديد، لأن المقاومة هي العنوان الأهم والأكبر من أي فصيل أو تنظيم.
وشدد على أن المقاومة لا يمكن أن تنتهي في فلسطين لسبب واحد وهو بقاء الاحتلال الإسرائيلي مزروعًا في فلسطين، فالصراع لن ينتهي، لأن إسرائيل جسم غريب ولا يستطيع أن يعيش بسلام، إضافة إلى أن فلسطين تاريخيا يستحيل أن تتعايش مع الغزاة.
ملفات عويصة تنتظر غزة
وعن الملفات القادمة في عام 2026، بين أن غزة تغادر عام 2025 بعناوين صعبة جدًا، وليست سهلة مطلقًا، وأمام المقاومة معركة سياسية تتمثل بالإعمار وفتح المعابر وإعادة إدخال البضائع الإنسانية والاغاثية والمستلزمات الطبية وغيرها لإعادة الحياة إلى قطاع غزة.
ورغم العدوان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني والمقاومة على مدار العام الماضي 2025 إلا أن الشعب لم يخرج من مربع احتضان المقاومة والقبول بقدر الله، إذ قال الخبير العسكري: "صحيح هناك خسائر فادحة وجوع وعطش ومعاناة؛ لكن هناك إيمان وقناعة ورضا بقضاء الله، ويمكن توظيف هذه المعاناة الإنسانية بشكل فعلا لتشويه صورة الكيان الإسرائيلي، ويمكن أن يكون له تداعيات خطيرة على مستقبل الكيان.
ومن أبرز التحديات التي تواجه المقاومة كما يعتقد الدكتور قاصد محمود هو العملاء، قائلًا: "إن ملف المتعاونين مع الاحتلال الإسرائيلي يعد تحديًا مهمًا تواجهه المقاومة خلال الفترة المقبلة من العام الجديد".
وأضاف:" أثبتت المقاومة خلال عام 2025 أنها تتعامل مع هذا التحدي باهتمام بالغ من خلال الوصول للمتعاونين مع الاحتلال كونهم جزء من الصراع وخطر حقيقي يجب استئصاله بأسرع وقت ليتسنى إعادة بناء قدرات المقاومة من جديد.
