الدكتور وليد القططي
يوثّق الحوار التاريخي بين الفيلسوف اليوناني أرسطو طاليس وتلميذه الإسكندر المقدوني؛ فقرة على لسان أرسطو يقول فيها: "نحن اليونانيين مختارون، ثقافتنا هي الأفضل، وحضارتنا هي الأفضل، ورجالنا هم الأفضل، وكلّ الآخرين برابرة، ومن واجبنا الأخلاقي أن نغزوهم ونستعبدهم، وإذا لزم الأمر ندمّرهم".
هذه الفقرة على لسان الفيلسوف أرسطو المُلقّب بالمعلم الأول في أوروبا إلى تلميذه الإسكندر الذي أصبح الإمبراطور الأول في أوروبا ومصدر إلهام للقادة الأوربيين تُلخّص عقيدة التفوّق الغربية بوجهيها: تفوّق الذات وإضفاء القداسة عليها، وشيطنة الآخر ونزع إنسانيته.
وبهذه العقيدة الاستعلائية العنصرية خرج الإمبراطور الإسكندر الأكبر إلى خارج القارة الأوروبية غازياً مُترجماً عقيدة التفوّق إلى حروب إبادة مارس فيها جيشه القتل والتهجير والاستعباد، وبهذه العقيدة خرج كلّ الغزاة وحركات الاستعمار من أوروبا عندما كانت وثنية قبل الميلاد، إلى آخر حركات الاستعمار الأوروبي ممثّلة في الحركة الصهيونية، مروراً بالحملات الصليبية على الشرق، والحركات الاستعمارية الحديثة.
عقيدة التفوّق الغربية في أوروبا الوثنية وترجمتها العملية حروب الإبادة ارتدت ثوبها المسيحي بنموذجها الكاثوليكي الذي جمع بين الإيمان بالتفوّق العرقي للرجل الأبيض، والتفوّق الحضاري للدين المسيحي، ثم أضاف إليهما النموذج البروتستانتي فكرة (شعب الله المختار) العنصرية المقُتبسة من التوراة المُحرّفة.
وبموازاة ذلك وبعده جاءت الفلسفة الغربية على اختلاف مضامينها وتياراتها وعصورها مؤكّدةً عقيدة التفوّق الغربية عرقياً ودينياً وثقافياً وحضارياً، وبرز ذلك في نظرياتها القائمة على الصراع والارتقاء، ومعظمها يؤكّد حتمية انتصار الحضارة الغربية وارتقائها على الحضارات الأخرى، وجبرية هيمنة المركز الغربي (المُتحضّر) على أطراف العالم (المتخلّفة)، وحقيقة حسم الصراع بين الحضارات للوصول إلى نهاية التاريخ، بسيطرة الحضارة الغربية... وفي إطار هذا السياق التاريخي والديني والفلسفي للحضارة الغربية خرجت من أوروبا كلّ الحركات الاستعمارية.
انطلقت الحركة الاستعمارية الأوروبية الحديثة بعد نهاية العصور الوسطى بعقيدة التفوّق في كلّ أنحاء الأرض، وكان الغزاة المستوطنون بحاجةٍ إلى رواية (أرض بلا شعب) لادّعاء حقّهم في امتلاك الأرض الجديدة، ولأنّ الأراضي المحتلة فيها شعوب أصلية بحضاراتها المُختلفة، فهم بحاجة إلى إبادة الشعوب الأصلية بالنفي، سواء بالنفي من الحياة بالموت قتلاً، أو النفي من الأرض بالطرد هجرةً، أو بالنفي من الإنسانية بالإخضاع استعباداً، وجميعها تؤدّي إلى تفريغ الأرض من سكانها وتدمير مقوّمات حياتهم ونمط حضارتهم.
وعقيدة التفوّق تُعطي الغزاة المبرّر النفسي للإبادة والنفي بنزع الصفة الإنسانية للشعوب الأصلية فتعتبرهم: همجاً متخلّفين، وبرابرة متوحّشين، وحيوانات بشرية، وشياطين أشراراً.. وتعطيهم المبرّر العقلي للإبادة والنفي باعتبارها تفويضاً إلهياً لخلاص البرية، وعملاً إنسانياً ينشر رسالة التحضّر، وواجباً أخلاقياً لتعميم التنوير الثقافي...
وفي سياق الحركة الاستعمارية الأوروبية الحديثة بمنطلقاتها الفكرية والمصلحية انبثقت الحركة الصهيونية ومشروعها الاستعماري كإنتاج غربي بالكامل، فكرة ومشروعاً وأهدافاً، فبعد ظهور المذهب البروتستانتي في القرن السادس عشر الميلادي على يد (مارتن لوثر)، وتبنّيه التوراة المُحرّفة ورواية (عودة اليهود) إلى (أرض الميعاد) كشرط لظهور (المسيح المنتظر)، وهزيمة (الأشرار) في معركة (هارمجدون)، لتبدأ بعدها (الألفية السعيدة).
وهذه هي بداية (الصهيونية المسيحية) ثمّ (الصهيونية اليهودية)، وهذه هي وظيفتها الدينية للغرب المسيحي، أما وظيفتها الاستعمارية المصلحيّة بعد إقامة "إسرائيل" كإفراز وإنتاج غربي فأن تكون رأس حربة وقاعدة متقدّمة للمشروع الاستعماري الغربي، وذلك لإبقاء حالة التفرقة والتخلّف والتبعيّة لبلدان المنطقة العربية والإسلامية وحالة الهيمنة الغربية عليها.
وبذلك تكون الحركة الصهيونية و"دولتها إسرائيل" إنتاجاً غربياً أوروبياً وفي سياق حركتها الاستعمارية ورأس حربة لمشروعها الاستعماري، فحملت الصهيونية و"إسرائيل" كلّ منطلقاتها الفكرية وأهمّها عقيدة التفوّق، وممارستها العملية وأهمّها فكرة الإبادة، وأضافت إليهما ما استدعته من التراث اليهودي في التوراة المُحرّفة والتلمود المكتوب بأيديهم عقيدة التفوّق فكرة (شعب الله المختار)، واحتقار الآخر مفهوم (الجوييم) الأقرب إلى حيوانات بشرية وظيفتها خدمة اليهود الشعب المختار.
مارست الحركة الصهيونية من خلال منظماتها المُسلّحة ثم "دولتها إسرائيل" الإبادة الغربية بطابعها الخاصّ ضدّ الشعب الفلسطيني أثناء حرب النكبة الأولى عام 1948 وبعدها، مُتبنّية الرواية الغربية نفسها لإبادة الشعوب الأصلية فيما سمّته (العالم الجديد) وهي (أرض بلا شعب)، والممارسة الغربية نفسها لتطبيق رواية الإبادة بالنفي من الحياة بالقتل، والنفي من الأرض بالتهجير، والنفي من الإنسانية بالإخضاع.
لم يكتفِ الغرب بإنتاج "إسرائيل" كرأس حربة لمشروعه الاستعماري وأداة غربية لتطبيق عقيدة التفوّق وفكرة الإبادة ضدّ الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، ولكنه زوّدها بأداة الإبادة الرئيسية وهي الأسلحة القاتلة والمدمّرة، التي برزت وحشيتها وفظاعتها في حرب الإبادة الأخيرة على قطاع غزة، بل وزوّدها الغرب بطريقة أكثر سرعة وفعّالية للقتل الجماعي.
وهي آلية القتل بالذكاء الاصطناعي كمنظومة تقنية رقمية تفاعلية مكوّنة من الأقمار الاصطناعية، والشبكة العنكبوتية، ووسائل الاتصال وأجهزة الحاسوب وغيرها، يوظّفها العقل الأمني والعسكري الإسرائيلي في توجيه المنظومة لتحديد الأهداف، وتصنيف نوعها، وترتيب أولوياتها، وتنظيم ضربها، وهي منظومة ضاعفت الضحايا أضعافاً مُضاعفة في حرب الإبادة الحالية على غزة.
هذه قصة الإبادة الممتدة من الوثنية إلى الصهيونية، أبدع الغرب فكرتها الأساسية المستوحاة من عقيدة التفوّق، وألّف الغرب نظرياتها المؤكّدة استعلاء الذات واحتقار الآخر، وكتب الغرب أحداثها بدم الشعوب المغلوبة، وأخرج الغرب رصيدها المزدحم بعمليات القتل والتهجير والاستعباد.. وكأنها قصة شجرة رُويت جذورها بدم المظلومين، واستوت ساقها على عظام المقهورين، وانتجت أسوأ ثمارها المُرّة الصهيونية و"إسرائيل".
