ما يزال جسد محمد علوان الصغير، ابن الأربعة عشر عامًا، يحمل آثار ليلة حُفرت في ذاكرة غزة بالدم ورائحة الخبز الممزوج بالبارود، بعد أكثر من ثمانية أشهر على نجاته من "مجزرة الطحين" في زيكيم، إذ لا تزال معاناته مستمرة، وشاهدة على جريمة لم تنتهِ فصولها بإطلاق الرصاص، بل امتدت لتصبح عجزًا يوميًا وألمًا لا يغادر جسده وروحه.
في أغسطس 2025، دفع الجوع القاتل الذي فرض حصارًا على شمال غزة، بالآلاف من المدنيين اليائسين، ومن بينهم الطفل محمد، إلى التجمع في منطقة زيكيم، حاملين أكياسًا فارغة على أمل الحصول على قليل من الطحين، "كنا رايحين نجيب طحين لأهلنا، الناس كانت في مجاعة"، يقول محمد بصوت لا يزال يحمل رجفة تلك الليلة. "لم نكن نحمل سوى أكياس فارغة".
لكن انتظار الطحين تحول إلى كمين للموت فجأة، انهمر الرصاص من الآليات العسكرية الإسرائيلية المتمركزة في المنطقة. "فتحوا علينا الرشاشات"، يروي محمد. "أصابتني رصاصة في فخذي ووقعت".ما حدث بعد ذلك كان مشهدًا من الرعب.
المصابون ينزفون على الأرض، والناجون يدوسون فوقهم في محاولة يائسة لخطف كيس طحين والفرار بحياتهم. "ما حد طلع في وجوهنا، كلهم بدهم طحين"، يصف محمد لحظة تجرد المشهد من كل إنسانية
مع حلول الظلام، بدأت فصول الإعدام الميداني، يصف محمد ببرود مؤلم كيف تقدم الجنود الإسرائيليون من المصابين الملقين أرضًا. "كانوا يطلقون النار على أي شخص يتحرك أو يتنفس تظاهرت بالموت، كنت مغطى بالدماء، فتركوني".
لم يتوقف الرعب عند هذا الحد بعد انسحاب الجنود، جاء دور الكلاب الضالة التي بدأت تنهش جثث الشهداء المتناثرة حوله. "كان شعورًا لا يوصف خفت أن تأكلني الكلاب وأنا حي كنت ألقي الحجارة عليها لأبعدها".
بشق الأنفس، زحف محمد بجسده المصاب ليختبئ حتى الصباح، حين تمكن أحد الشبان من إنقاذه.
لكن النجاة من الموت كانت بداية لرحلة معاناة أخرى، واليوم، يعيش محمد في خيمة لا تقي من برد أو حر، عاجزًا عن الحركة، يعتمد بشكل كامل على والده الذي أصبح ظله وساعده.
جرحه المفتوح يذكره كل لحظة بتلك الليلة، وبحلمه البسيط الذي تبخر: العلاج. يقول بألم: "كل مستشفيات غزة تدمرت ما بدي شي غير إني أتعالج أمنيتي أرجع أمشي زي أول، وأقعد في غرفة زي أي طفل في العالم".
قصة محمد علوان ليست مجرد شهادة فردية، بل هي صرخة تختزل مأساة شعب حوصر بالجوع واستُهدف بالرصاص وهو يبحث عن لقمة العيش.
إنها شهادة حية على جريمة حرب مكتملة الأركان، تستمر آثارها في جسد طفل يحلم بالعودة إلى حياة لم يعد يعرفها.
