Menu
اعلان اعلى الهيدر

مقال مطول: سوسيولوجيا فيروس كورونا والحداثة من منظور علم الإجتماع

بقلم /أيمن محمد أبو الخير

 
ينظر علماء الإجتماع وعلماء الأوبئة إلى الصحة والمرض من زاوية الدور المهم الذي تؤديه المؤشرات الإجتماعية والبيئية على أنماط الصحة والمرض، فسعوا إلى دراسة التوزيع والتكرار للأوبئة والأمراض بين السكان، و إلى تفسير الصلة بين الصحة من جهة وعدد من المتغيرات من جهة أخرى مثل الطبقة الإجتماعية والجنس والعرق والطبيعة الجغرافية وغيرها، وليس هناك مثل الأوبئة والحروب والثورات دروساً في التعايش الجماعي لمن أدرك طبيعة الدولة في تنظيم حياة الناس دون جبر.
فقد اتسعت دائرة اهتمام علم الإجتماع الطبي (وللأسف ليس له مكانة في دول العالم العربي) لتشمل عدداً من المسائل الأساسية والتي لها ارتباط وثيق بصحة الإنسان ووقايته من كثير من الأمراض، والتي باتت تشكل تهديداً خطيراً لصحته وأمنه الإجتماعي، وعلم الوبائيات واحداً من اهتمامات هذا الحقل باعتباره العلم الأساس في طب المجتمع يسعى لإيجاد أجوبة على الأسئلة التالية: من المصاب؟ ولماذا حدثت الإصابة؟ وماذا يجب أن نعمل؟.
لذلك يهتم علم الوبائيات إلى جانب دراسة توزيع الأمراض المعدية بين السكان دراسة بيئة المرض والتركيز على أسباب المرض المختلفة في عدة بيئات، والعوامل المجتمعية والثقافية التي تساهم في زيادة انتشار الأمراض الوبائية في المجتمع الإنساني، كما أدى الإهتمام المتزايد بالتحكم في الأمراض المزمنة إلى الأخذ بعوامل أخرى غير العوامل البيولوجية عند معالجة المرضى، لأن عوامل مثل التاريخ المرضي والعادات الشخصية والعلاقات الأسرية، ونمط السكن كلها عوامل تؤثر في نتيجة العلاج أيضاً.
وهنا لا نملك أن نكون فلاسفة بالمعنى الحرفي للكلمة ولكن وقائع كثيرة من حولنا تدعونا إلى التأمل الرصين، فمرور وباء كوني شامل من مسافة قريبة، كشف الإنسان الحديث، ووضعه أمام حقائق مذهلة تتمحور حول علاقته بنفسه، وعلاقته بالإنسان من حوله، وعن علاقته بالدولة سواء كان خضوعاً أم تمرداً.
لذلك يجب أن ننفتح على أسئلة مثل: هل لحظة الوباء هي لحظة عقل جماعي أم غريزة فردية؟ وفي الغريزة كيف تبقى الدولة فاعلة لتحمي الفرد في أنانيته؟ وهو يحاول النجاة بنفسه من وباء شامل يرى أثره في غيره، فيود أن يعتصم بجبل متناسياً أن النجاة أمام وباء شامل لا تكون إلا جماعية؟
وعليه عليكم بكل حذر ونسبية طبعاً محاولة التفكير في وباء الكورونا من خارج مقاربة الموت والتكلفة الاقتصاديّة الباهظة أو المقاربة النفسية من ناحية ما تثيره من مخاوف وهلع يصلان إلى حد الفوبيا، فيجب أن نفكر في (كورونا) كظاهرة طبيعية (بمعنى الطبيعة) من منظور التفكير السوسيولوجي تحديداً وذلك باعتبار أن السوسيولوجيا هي موروث الحداثة كما عرّفها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر.
ومن الطبيعي أن المجتمع ليس ظاهرة حداثية وليس منجزاً من منجزات الحداثة، ولكن المجتمع الحديث الذي يمثل نتاج ما عرفه المجتمع التقليدي المؤسساتي من حداثة في شقيها المادي والفكري مع الثورتين الصناعية والفرنسية التي قد تزعزعت دعائمه، ولم يعد ذاك المجتمع الذي تهيمن فيه المؤسسات على حساب الفرد، وهو ما يعني أن منجزات الحداثة المادية والمعنوية أعادت صياغة علاقة المؤسسات الاجتماعية بالفرد، ولم يعد علم الاجتماع فقط علم المؤسسات كما عرفه إميل دوركايم، وإنّما أصبح أيضاً منشغلاً بالمعاني الذاتية التي يمنحها الأفراد لسلوكهم، بمعنى آخر تدرجنا بفكرة المجتمع من الوضعية إلى التفهمية التي تحاول فهم سلوك الفرد وتفسيره سببياً من جهة كونه عقلانياً وموجهاً بأهداف تحكمه.
وإذا كان فيروس كورونا يشترط لمحاصرته العزل والحجر الصحي، وبما يعنيه تكاثره في التجمعات والحشود من انتشار له وحصد للأرواح، قد ظهر فيروس كورونا لتثبت إن الاجتماع الإنساني قد فشل عندما تحول إلى قرية صغيرة بفضل منجزات الحداثة في تحقيق القرب الحقيقي وتمكين الإنسانية من السعادة وتغليب الخير على الشر، ذلك أن منجز الحداثة كان وراء انتشار المجال الحضري وتكاثر المدن ووسائل النقل التي قربت المسافات وأعادت ضبط الزمن والجغرافيا.
مع العلم أن كل ما هو مشترك من وسائل نقل وفضاءات عامة مثل المقاهي والمطاعم والعروض الثقافية والمقابلات الرياضية... كل هذا أصبح مصدر خطر وإصابة بفيروس كورونا، ومن ثم كأن كورونا يريد إلغاء وظيفة بعض منجزات الحداثة، ويترك فقط ما يتماشى وفكرة العزلة والانعزال القسري من خلال الحجر الصحي وإجراء حظر المناطق.
وهذا بدوره يقودنا إلى هدم فكرة حرية الفرد التي قام عليها جوهر الحداثة هو ممارسة الفرد لحريته في ظل فيروس كورونا والتي تعني تعرض حياته للخطر، وعند هذا التفصيل بالذات تصاغ بنود التعاقد الاجتماعي بنفس القاعدة التي وضعها جون جاك روسو أي التنازل عن الحرية الطبيعية المطلقة مقابل الأمن والاندماج وتحقيق التوازن ولكن في هذه المرّة لضمان الحياة وعدم الموت.
إن مجتمعات الحداثة بطابعها المركب التعقيدي قطعت الصلة اليوم مع الدين اجتماعياً، وظلت مجتمعات أخرى لم تنصهر بالكامل في منظومة الحداثة، وتتدثر بالدين الذي يمثل طريقتها الرمزية في الوجود الثقافي الكوني الرّاهن، غير أن العلاقة بالدين في مظاهرها المختلفة ظلت بين النفي والسطحي والتوظيف، فكان حال غالبية الناس بين الاغتراب عن الدين وبين الاغتراب عنه.
وهنا أيضاً كأن فيروس كورونا يذكر الإنسان بضعفه وأن كل نجاحاته العلمية وصعوده للقمر والاكتشافات العلميّة الباهرة ومسار عقلنته للعالم مشكوك في وجاهتها، وأن العقل البشري تغيب عنه أشياء وتقلب له أحواله فيروسات قبل أن يجد اللقاح لها تجعله يدرك محدوديته أولاً، وأن طحالب غير معلنة يمكن أن تظهر وتتحكم في الفرد والمجتمع، كذلك فإن هذا الفيروس المخيف في هذه اللحظة من تاريخ المجتمع الحداثي تكشف عن امتحان عسير يواجهه الإنسان، حيث إن لسان حال كورونا يقول: حروب الإنسان ضد الإنسان والتشريد والتوترات والاستعمار في مظاهره المقنعة الجديدة ليست أكثر بطشاً مني، بل إن التسابق نحو التسلح واستخدام مواد مدمرة للأرض والإنسانية وناشرة للأمراض المزمنة قد أربك الطبيعة فأربكت بدورها من أربكها.
ولا تقتصر تأثيرات الوحدة والعزلة الاجتماعية (الحجر والعزلة) على الجانب النفسي فقط، وإنما تتجاوزها إلى صحة العقل والقلب وتراجُع المناعة والقدرة على مواجهة العدوى، وصولًا إلى زيادة خطر الموت، كما أن الأشخاص المعزولين اجتماعيًّا يزيد تعرُّضهم للإصابة بالاكتئاب والخَرَف بنحو ثلاثة أضعاف أو أكثر مقارنةً بغيرهم نتيجة الحجر أو العزل، ويزداد مع الوحدة أيضًا الشعور بالخمول، وهو ما قد ينتج عنه ارتفاع القابلية للإصابة بالسكر، والقابلية للصدمة والإصابة بأمراض القلب.
وعادةً ما يجري قياس درجة وحدة الشخص أو عزلته من خلال أسئلة عن حجم شبكة الاجتماعيات الخاصة به، ومدى الاختلاف فيها، وعدد مرات التواصل مع دائرة المعارف، أو حضور المناسبات الاجتماعية، وكذلك حجم أوقات التواصل مع الأصدقاء والعائلة، والمشاركة في الأنشطة التطوعية، وأخيرًا القدرة على التعلُّم ومشاركة التجارب والخبرات الجديدة.